القيامة الثانية

لم يُصدق السوريون (مؤيدون ومعارضون) ما رأته أعينهم يوم الجمعة الماضي 4 آذار من مظاهرات عمّت أرجاء المناطق السورية المحررة، حيث كان على البعض أن يتأكد مرة ومرتين وثلاثة من تواريخ مقاطع الفيديو التي تم نشرها، هل هي في 2011 أم في 2016 فعلًا؟

لقد سمحت الهدنة الهشّة التي أدت إلى التخفيف من طلعات الطيران الحربي في الأجواء للسوريين بإعادة الثورة السورية سيرتها الاولى، ثورة شعبية عفوية مدنية وسلمية، لا تريد شيئًا إلا المطالبة بالحرية والكرامة، وبإلغاء نظام عسكري جاء بانقلاب وفُرِضَ على السوريين بقوة السلاح والإرهاب خلال العقود الماضية.

لقد تبين بأن الثورة السورية الأصيلة التي خرجت في 2011 ما زالت موجودة رغم محاولات إخفائها، ولا بد أن مؤيدي النظام هم أكثر من صعقهم ما حدث يوم الجمعة الماضي، فالثورة التي حاولوا إقناع أنفسهم أنها اختفت، وأنها لم تكن حقيقية منذ البداية، عادت للنهوض من تحت الرماد، وقامت قيامتها الثانية.

لو كنتُ مؤيدًا للنظام، لأُصِبتُ الآن بإحباطِ شديد، ولوجدت بأن كل ما حاولت الدفع به خلال السنوات الماضية من تكذيب ومحاولات لإخفاء الثورة قد تبيّن بأنه مُجرد دخان تبدد في الهواء بلمح البصر، رمادٌ تطاير في الهواء واختفى، هُراءٌ وحبرٌ على ورق لن يُقنع أحدًا الآن حتى لو نجح في ذلك لفترةٍ وجيزة.

12801397_4105204066149_2168059526180523231_n

ليس خروج المظاهرات بحد ذاته هو ما أصاب المؤيدين بالإحباط، بل اختفاء الرايات المُختلفة وبروز العلم الأخضر، علم الثورة السورية، علم الاستقلالين الأول والثاني. ليست الرايات السود فقط هي ما اختفت فحسب، بل جميع الأعلام الملونة التي تمثل مُختلف الفصائل المسلحة معتدلةً كانت أم متطرفة، كي تعود هتافات (الشعب السوري واحد) من جديد، تحت علم الثورة الواحد.

أعتقد أن الفصائل وهي في معظمها من نفس نسيج المجتمعات الثائرة، احترمت رغبة الثوار المدنيين ورضخت لمطالبهم رغم أنها كانت تستطيع التلويح بقوة السلاح لإظهار راياتها، وهذا بحد ذاته انتصار للثورة ليس على النظام ومؤيديه فحسب، بل على قوة السلاح بشكلٍ عام حتى ذلك السلاح الذي وقف إلى جانبهم دفاعًا عن النفس، مما عكس الوجهة المدني السلمي الحقيقي للثورة، الذي غطى كل الوجوه.

 

لقد عادت شعارات (الشعب السوري واحد) و (الشعب يريد إسقاط النظام) و (حرّية حرّية)، وهي بالاحرى لم تعد لأنها لم تختفِ، بل حاولوا التغطية عليها بالقنابل والبراميل. لقد تم تخصيص موارد عسكرية ومادّية هائلة سوريّة كانت أم روسيّة فقط لمحاولة إخفاء شعار (الشعب يريد إسقاط النظام)، الذي تبيّن أنه أقوى من المليارات التي تسوّلها النظام السوري من إيران، والملايين التي اقتطعتها روسيا من احتياطاتها الاستراتيجية وأنفقتها في سوريا رغم اقتصادها المتهالك المثير للشفقة.

لقد شاهد من قالوا أن الثورة هي مؤامرة لتقسيم سوريا كيف خرج السوريون تحت العلم السوري الواحد، وقد شاهد من قالوا أن الثورة السورية ليست ثورة مدنية لأنها خرجت من المساجد كيف خرج السوريون من مُدرّج بصرى الأثري وغيره عندما توفّر لهم مكانٌ آخر للتجمّع.